المقام الثالث المنتظر المشفوع بالصلاة على محمد وآل محمد

 






المقام الثالث

المنتظر المشفوع بالصلاة على محمد وآل محمد

 وَأسألُ الله أن يصلّي عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأن يَجعَلَني مِنَ المُنتَظِرينَ لَكَ

 

هي من أرقى وأعمق فقرات الزيارة؛ إذ تجمع بين معنى الدعاء النبويّ والانتظار المهدويّ، فتربط بين الصلاة على محمد وآله — وهي قمة الارتباط بالنور الأول — وبين الانتظار للإمام المهدي — وهو الامتداد النوري الأخير.

وفي الحقيقة، هذه الجملة تختصر المنهج التوحيدي الإمامي في السير إلى الله عبر النور الواحد المتصل من محمدٍ صلى الله عليه واله  إلى المهديّ عجل الله فرجه.

ولأجل بيان ذلك سنسير في ثلاث نقاط كبرى، كل واحدةٍ تُظهر بعدًا من المعنى: العقائدي، المعرفي، والأخلاقي، بسردٍ تحليلي متصل.

النقطة الأولى: الصلاة مفتاح القرب وباب النور

قوله: «أسأل الله أن يُصلّي على محمدٍ وآل محمد» ليس تكرارًا دعائيًا مألوفًا، بل هو تأسيسٌ للاتصال بالنور المحمديّ الجامع، لأن الصلاة الإلهية على النبي وآله هي جريان الفيض الإلهيّ عليهم ومن خلالهم على الخلق.

قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 56).

وقد ورد في التفسير أن صلاة الله على النبي هي رحمةٌ مقرونةٌ بالتعظيم، وصلاة المؤمنين عليه هي طلبُ دوام تلك الرحمة وانتشارها.

فحين يقول الزائر "أسأل الله أن يُصلّي على محمد وآل محمد"، فهو يطلب أن يستمدّ من الله الفيض النوري الذي يتنزّل على آل محمد، لأنهم مظاهر رحمته في الخلق، وهم الواسطة بين الحقّ والخلق.

قال الإمام الرضا عليه السلام:«من لم يقدر على ما يُكفّر به ذنوبه فليُكثر من الصلاة على محمد وآل محمد، فإنها تهدم الذنوب هدماً»(عيون أخبار الرضا، ج2، ص261).

فالصلاة عليهم هي طريق التزكية، وهي الباب الذي يفتح على الله؛ لأنها عبادة تجمع بين الذكر والمعرفة والولاء.

ومن ثم، فهي تمهّد في هذه العبارة لطلبٍ أعظم: أن يُجعل العبد من المنتظرين للإمام المهدي عجل الله فرجه.

كأن الزائر يقول: "يا رب، اجعل صلاتي على محمد وآله طريقًا لأن أكون من حملة نورهم، ومن أهل الانتظار لآخرهم".

النقطة الثانية: الانتظار عطية إلهية

الزائر لا يقول: وأنتظرُ لك، بل يقول: «وأن يجعلني من المنتظرين لك»، أي أنّ الانتظار الحقيقي ليس مجرّد قرارٍ بشريّ، بل توفيقٌ ربانيّ يُمنح للقلوب التي نُقّيت بنور الصلاة على محمد وآل محمد.

فالانتظار ليس حالةً شعورية فحسب، بل اصطفاءٌ واصطناعٌ إلهيّ، لأن المنتظر الصادق قد أُعدّ ليكون من جنود الإمام في الغيبة والظهور.

وهذا المعنى تؤكّده الروايات قال الإمام الصادق عليه السلام:«من سُرَّ أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق»(غيبة النعماني: باب11 ماروي فيما أمر به الشيعة من الصبر والانتظار للفرج/ص200).

فالانتظار هنا يُقدَّم بلفظ "يجعلني"، أي أنه منحٌ إلهيّ يطلبها العبد من الله لا من نفسه، لأن الانتظار المقصود في الزيارة ليس الانتظار الكسول أو السلبي، بل هو الانتظار العامِل، الصابر، الواعي الذي يربّي النفس ويهيّئها لتكون صالحة لظهور الحقّ ومن هنا نُدرك البعد التربوي العميق في العبارة؛ إذ تربط بين الصلاة على محمد وآله وبين الانتظار للإمام المهدي، لتشير إلى أن من لم يربطه الله بسلسلة النور المحمديّ، لن يُوفّق لانتظار خاتمة النور المهدويّ.

فكما أن الصلاة على النبي وآله هي باب تطهير اللسان والقلب، فكذلك الانتظار لهم هو تطهير الزمن والنية.

الأولى تُطهّر الكلمة، والثانية تُطهّر العمر.

النقطة الثالثة: من النور الأول إلى النور الأخير

الصلاة على محمد وآله تمثّل البدء بالنور، والانتظار للإمام المهدي يمثّل الانتهاء به؛ وبين البداية والنهاية خيط واحد من الرحمة الإلهية المتصلة.

فالعبارة تقول:«أسأل الله أن يُصلّي على محمد وآل محمد» (اتصال بالنور المحمدي الأول)

«وأن يجعلني من المنتظرين لك»  (استمرار للنور في ظهوره المهدوي الأخير).

فهي تذكّرنا بأن مشروع الله في التاريخ واحد: من محمدٍ إلى المهديّ، من بعثةٍ إلى ظهورٍ، من وعدٍ إلى وفاء.

من عرف البداية ولم يعرف النهاية، لم يعرف المسير الإلهي كاملًا؛ ومن انتظر النهاية دون أن يتغذّى من النور الأول، ضلّ عن الطريق.

وفي هذا الارتباط تكمن العقيدة الإمامية المتكاملة:أن الله لا يُعبد إلا بما جاء به محمد وآله، ولا يتحقق وعده إلا على يد وليّه القائم، وأنّ الولاية هي الطريق من الصلاة إلى الظهور.

من هنا يكون معنى هذه الجملة كالتالي:"اللهم اجعلني ممن يصلّي عليك بالصلاة على محمد وآله، وممن يتقرّب إليك بانتظار وليّك المهدي، لأكون في سلسلة النور التي ابتدأت بمحمدٍ صلى الله عليه واله وخُتمت بالقائم عجل الله فرجه ".

وفي البعد الأخلاقي هذا الربط يعلّمنا أن الانتظار لا يكون صادقًا إلا إذا كان ثمرة للصلاة على محمد وآله؛ لأن من أكثر الصلاة عليهم امتلأ قلبه رحمةً، ومن امتلأ قلبه رحمةً صار قلبه أهلًا للانتظار.

فالانتظار هنا ليس انتظارَ خلاصٍ فرديّ، بل انتظارُ رحمةٍ للعالمين، تمامًا كما كانت بعثة النبي رحمةً للعالمين.

الخلاصة:

عقائديًا: الصلاة على النبي وآله هي تجديد العهد بالولاية، والانتظار للإمام هو استمرار هذا العهد إلى ختامه في الظهور.

معرفيًا: الانتظار عطية إلهية تُمنح لمن اتصل بالنور المحمديّ عبر الذكر والصلاة، لأن الانتظار وعيٌ بنظام الوجود الإلهيّ في التاريخ.

أخلاقيًا: الانتظار ثمرة الطهارة النورية التي تنشأ من الإكثار من الصلاة على محمد وآله، فكلّ صلاةٍ عليهم تُنبت في القلب بذرة انتظارٍ صادق.

فبهذا المقطع يعلن العبد:"اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، واجعلني لا من المترقبين للأحداث، بل من المنتظرين للحقّ، ومن العاملين لظهوره، ومن الداخلين في رحمتك بمحمدٍ وآله الطاهرين".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كلمة مني وكلمة منك نصل بها الى قلب امام زماننا عجل الله فرجه