المقامات
الخمسة
لزائري صاحب الزمان في يوم الجمعة
المقام
الاول
المتقرب إلى الله بواسطة أهل البيت
: أتَقَرَّبُ إلى اللهِ تَعالى بِكَ وَبِآلِ
بَيتِكَ.
«أتقرّب إلى الله تعالى بك وبآل
بيتك»هي من أعمق مقاطع الزيارة دلالةً على العقيدة، لأنها تختصر رؤية التوحيد
الإماميّ في علاقته بالولاية، وتُظهر أن الولاية ليست حجابًا عن الله، بل وسيلة
الوصول إليه.
النقطة
الأولى: التقرّب بالإمام
القرب من الله تعالى هو غاية الغايات
في الدين، وهو هدف كل عبادة وطاعة، قال تعالى:﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾
(المائدة: 35).
فالزائر حين يقول «أتقرب إلى الله
بك» فهو لا يجعل الإمام غايةً مستقلة عن الله عزوجل، بل يجعل منه الوسيلة الشرعية
والوجودية إلى القرب الإلهي.
الإمام هو الوجه الذي يُتقرّب به إلى
الله، لأنه مظهرٌ تامّ لصفاته، وطريقه الموصِل إليه.
عن الإمام الصادق عليه السلام قال:
"قال رسول الله... ونحن الوسيلة إلى الله والوُصْلة إلى رضوان الله ولنا
العصمة والخلافة والهداية وفينا النبوّة والولاية والإمامة ونحن معدن الحكمة وباب
الرّحمة وشجرَة العصمة ونحن كلمة التقوى والمثل الأعلى والحجّة العظمى والعروة
الوثقى التي من تمسّك بها نجا"([1]).
في العقيدة الإمامية، لا يُمكن
التقرّب إلى الله إلا من خلال من جعله الله واسطة في الفيض والهداية. فكما لا تصل
الشمس إلى الأرض إلا من خلال أشعتها، لا يصل العبد إلى الله إلا من خلال أنواره
التي هي الأنبياء والأوصياء، وخاتمتهم الإمام المهدي عليه السلام.
إذن، التقرّب بالإمام هو تحقيق
للتوحيد لا شرك، لأن الله هو الذي أمر باتخاذ الوسيلة إليه.
فالإمام هو وجه الله الذي إليه
يتوجّه الاولياء، والقرب به قربٌ لله .
النقطة
الثانية: القرب بالوسيلة تربيةٌ على التوحيد العملي
القول: «أتقرب إلى الله تعالى بك»
ليس دعاءً مجردًا، بل هو منهج في السلوك الروحي؛ إذ يعبّر عن إدراك المؤمن أن
الوصول إلى الله لا يتم إلا من خلال الانقياد العملي لمن نصبه الله إمامًا.
فالتقرب بالإمام لا يكون بالكلمات،
بل باتباعه في الخلق والسلوك.
أي أن القرب من الإمام هو عين القرب
من الله، لأن الإمام هو التجسيد العملي للعبودية الكاملة.
فالمحبّ الذي يتقرب بالإمام حقًّا هو
من يجعل كل عبادةٍ على نهج الإمام، وكل دعاءٍ تحت رايته المعرفية، وكل نيةٍ على
طريق ولايته.
وبهذا يصبح "التقرّب
بالإمام" منهجًا أخلاقيًا يطهّر العبد من العُجب؛ إذ لا يرى عمله مستقلاً، بل
يرى نفسه تابعًا لطريق أولياء الله.
هو لا يقول: «أتقرب إليك بصلاتي»
فحسب، بل يقول: «أتقرب إليك بصلاتي التي تعلمتها من ولاة أمرك»، أي بالعبادة التي
صاغها الإمام في تفاصيلها النقية.
ففي المستوى السلوكي، هذه العبارة
تُربّي على التواضع في الطاعة، وتُذكّر العبد بأنّ الله لا يُعبد إلا بما أمر، ولا
يُعرف إلا بما عرّف، وأداة التعريف هو الإمام.
النقطة
الثالثة: الإمام طريق اللقاء بالله
في اعماق العبارة «أتقرب إلى الله
تعالى بك» تكشف عن سرّ الواسطة الوجودية التي بها يُفيض الله النور على خلقه.
فالإمام ليس مجرد دليلٍ شرعي، بل هو
واسطة الفيض الإلهيّ، وبدونه ينقطع التيار بين السماء والأرض.
عن بريد العجلي قال: سمعت أبا جعفر
عليه السلام يقول: بنا عبد الله، وبنا عرف الله، وبنا وحد الله تبارك وتعالى،
ومحمد حجاب الله تبارك وتعالى([2]).
أي أن معرفة الله وعبادته لا تتحقق
إلا من خلال الواسطة التي بها يتجلّى، لأن العقول القاصرة لا تحتمل التجلي المباشر
للذات الإلهية، فكانت أنوارهم هي الحجاب النوراني الذي به تظهر الأسماء والصفات.
إذن، "أتقرب إلى الله بك"
ليست جملة أدبية، بل هي إقرار كونيّ بأن الإمام هو المعبر عن الله في الوجود، وأن
السير إليه لا يكون إلا بمرور القلب من نوره.
وهنا يظهر السرّ الأخلاقي لهذه
العقيدة:أنّ العارف بالإمام يطلب الله في الإمام، لا يطلب الإمام بدل الله.
فيرى في طاعته طاعة الله، وفي محبته
حب الله، وفي قربه قرب الله.
ومن لم يتقرّب بهذه الوسيلة، يبقى في
التيه مهما عبد وتنسّك، لأنه عبد الصورة دون الحقيقة.
من
اثار التولي
التولّي
هو من أفضل الأعمال
إنّ من أقوى العلاقات بين البشر هي
العلاقات الفكرية التي هي سبب التوافق في الأخلاق والسلوكيّات الإنسانية، ومن
البديهي أنّهم يُحبّون بعضهم في الله، ويرون في بعضهم الصفات والأفعال التي ترضي
الله تعالى، ويُعتبر هذا الحبّ في الله والبغض في الله هو الخطوة المؤثّرة في
تربية نفوسهم.
في حديث عن النبي الأكرم| قال: «لو
أنّ عبدين تحابّا في الله، أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب، لجمع الله بينهما يوم
القيامة، وقال النبي|: أفضل الأعمال الحبّ في الله، والبغض في الله».
كما جاء في حديث قدسي أنّ الله
سبحانه خاطب موسى×: «هل عملت لي عملاً؟ قال: صلّيت لك، وصمت وتصدّقت وذكرت لك. قال
الله تبارك وتعالى: وأمّا الصلاة فلك برهان، والصوم جنّة، والصدقة ظلّ، والذكر
نور، فأيّ عمل عملت لي؟ قال موسى×: دلّني على العمل الذي هو لك. قال: يا موسى، هل
واليت لي وليّاً، وهل عاديت لي عدواً قطّ؟ فعلم موسى أنّ أفضل الأعمال الحبّ في
الله، والبغض في الله».
وقد جاء في بعض الروايات أنّ التولّي
يُعتبر من أكبر شعب الإيمان، وعُبّر عن ولي الله بأنّه المختار من الله سبحانه
وتعالى. وفي حديث عن الإمام الباقر× قال فيه: إنّ رسول الله| قال: «ودّ المؤمن
للمؤمن في الله من أعظم شعب الإيمان، ألا ومَن أحبّ في الله وأبغض في الله، وأعطى
في الله ومنع في الله، فهو من أصفياء الله».
وقد عُبّر عن التولّي والتبرّي في
بعض الروايات بأنّه الإيمان الكامل، فمن ذلك قول الإمام الصادق×: «مَن أحبّ لله،
وأبغض لله، وأعطى لله، فهو ممّن كمُل إيمانه».
التولّي هو أساس الإسلام
إنّ التولّي والاقتداء بأولياء الله
يُعتبر إحياءً للبرامج الدينية والمسائل العبادية الأُخرى، فرديةً كانت أو
اجتماعية، وهذا فيه إشارة واضحة إلى تأثير مسألة الولاية في موضوع تهذيب النفوس
وتحصيل مكارم الأخلاق، فقد جاء في حديث عن الإمام الباقر× ينقله عنه صاحبه الوفي
(زرارة)، أنّه× قال: «بُني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، والزكاة، والحجّ،
والصوم، والولاية. قال زرارة: فقلت: وأيّ شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل؛
لأنّها مفتاحهنّ، والوالي هو الدليل عليهنّ».
التولّي
علامة الخير والإحسان
إنّ كلّ إنسان بحسب ما يتمتّع به من
الصفات الأخلاقية والإنسانية سيكون يوم القيامة مع مَن يحبّ ويتولّى، ومَن كانت
تربطه بهم وشائج الحبّ والمودّة، وهذا الأمر في حدّ ذاته يُظهر لنا أهمّية موضوع
(التولّي) ضمن المباحث الأخلاقية؛ حيث نقرأ في حديث عن الإمام الصادق× مخاطباً أحد
أصحابه المسمّى (جابر الجعفي) قائلاً: «إذا أردت أن تعلم أنّ فيك خيراً فاُنظر إلى
قلبك، فإن كان يُحبّ أهل طاعة الله ويبغض أهل معصيته ففيك خير، والله يُحبّك. وإن
كان يبغض أهل طاعة الله ويحبّ أهل معصيته فليس فيك خير، والله يبغضك. والمرء مع مَن
أحبّ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
كلمة مني وكلمة منك نصل بها الى قلب امام زماننا عجل الله فرجه