وقفة عميقة فاطمة عليها السلام المفطومة عن النار، والمطهّرة بالولاية

 





وقفة عميقة فاطمة عليها السلام المفطومة عن النار، والمطهّرة بالولاية

فطمها و ذريتها من النار

عن علي (عليه السلام)، قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول:سمّيت فاطمة (عليها السلام) لأن اللّه فطمها و ذريتها من النار، من لقى اللّه منهم بالتوحيد و الإيمان بما جئت به([1]).

وقفة عميقة فاطمة عليها السلام المفطومة عن النار، والمطهّرة بالولاية

عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام:«هَلْ تَدْرِي لِمَ سُمِّيَتْ فَاطِمَةُ؟»

قال: «لِمَ سُمِّيَتْ فَاطِمَةُ، يَا رَسُولَ الله؟»قال: «لِأَنَّهَا فُطِمَتْ هِيَ وَشِيعَتُهَا مِنَ النَّارِ»([2]).

 

هذه الكلمة النبوية العظيمة ليست توصيفًا اسميًا فحسب، بل كشفٌ عن حقيقة وجودية ومعرفية في كيان فاطمة الزهراء عليها السلام، فالفِطام هنا ليس مادّيًا، بل هو انقطاعٌ تامّ عن النار بما هي مظهرٌ لغضب الله ومعصيته، أي إنها مفطومة عن كل ما يُنافي الطهارة الإلهية.

البحث في ذلك ينتج عدة نتائج عظيمة

1. فُطِمَتْ عن النار: فُطِمَتْ عن المعصية

النار في المفهوم القرآني هي أثر المعصية، فمن فُطم عنها فُطم عن أصلها، أي عن الذنب نفسه.

ففاطمة عليها السلام مفطومة عن الذنب والمعصية فطرًا وتكوينًا، فهي من الذين طهّرهم الله تطهيرًا، والطهارة هنا ليست مجرّد تركٍ للمعصية، بل امتناعٌ ذاتيّ عنها، كما يمتنع النور عن الظلمة.

 

2. ومن فُطِم عن المعصية فهو مطهّر

الطهارة في مقامها العقائدي ليست حالة سلبية (الخلوّ من الدنس) فحسب، بل هي قابلية التجلّي بالنور الإلهي، ولهذا قال تعالى:﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾

فالمطهّرون هم الذين يُجرَّدون من الرجس ليكونوا وسائط في الفيض الإلهي.

3. والمطهَّر يمسّ الكتاب

قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾،أي إنّ مسّ الكتاب — وهو اللوح المحفوظ والعلم الإلهي — لا يكون إلا لمن خُصّ بالطهارة التامة.

ففاطمة عليها السلام بمقتضى طهارتها تمسّ الكتاب الإلهي مسّ شهودٍ واطلاعٍ، لا مسّ حروفٍ وألفاظ.أي إنها شريكة في علم الولاية الإلهي، وتستمدّ من الغيب لا من الحسّ.

 

4. ومن مسّ الكتاب فهو صاحب الولاية

من يَمسّ الكتاب يمتلك سرّ الولاية الإلهية، لأن الولاية هي ترجمان الكتاب في الوجود.

فكما أن عليًّا هو القرآن الناطق، فإن فاطمة هي الروح الباطنة للقرآن، التي منها تتفرّع أنوار الإمامة والنبوة.

ولهذا سُمّيت أمّ أبيها، لأن منها امتدّ النور المحمديّ في الوجود.

5. ومن كان وليًّا فهو قريب من الله

الولاية ليست مجرّد سلطة أو قرب رتبي، بل هي اتحاد الإرادة بالإرادة الإلهية، أي أن وليّ الله لا يريد إلا ما أراده الله.

وفاطمة عليها السلام بلغت هذا المقام حتى نزل في حقّها:«يَرضَى الله لِرِضَاها ويَغضَبُ لِغَضَبِها»

وهذه مرتبة القرب الأكمل، حيث تصير النفس الإلهية في الإنسان مرآةً لإرادة الحقّ.

6. ومن كان قريبًا فهو صاحب الشفاعة

القرب من الله هو مفتاح الشفاعة، لأن الشفاعة ليست تدخّلًا خارج النظام، بل إفاضة الرحمة من الأقرب على الأبعد.

وفاطمة عليها السلام هي واسطة الشفاعة العظمى، فهي التي فُطمَت عن النار لتفطم شيعتها منها.

فمَن تمسّك بها كان في ظلّ شفاعتها، ومن اعتصم بها كان في حرز ولايتها.

 

 

7. من كان صاحب الشفاعة فهو صاحب مقام الشهادة

 

فاطمة عليها السلام شفيعة لأنها شاهدة، إذ لا يشفع عند الله إلا من شهد بنور الحقّ على الخلق.

ومن لم يَكْشِفْ عن حقيقة النفوس لا يُمَيِّزُ الطيّب من الخبيث، ولا الطاهر من الدنس.

لقد جعلها الله شاهدة على الأعمال والقلوب، فكانت مرآة العلم الإلهي في الخلق، تعرف المخلص من المدّعي، والمحبّ من المنافق.

فمقام شفاعتها منبثق من مقام شهودها، وشهادتها هي امتداد لشهود الله في عباده.

فهي شفيعةٌ لأنّها شاهدة، وشاهدةٌ لأنّها قريبةٌ الله عزوجل.



[1] / الأمالي للطوسي: ج 2 ص 183.

[2] / علل الشرائع، ج1، ص180.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كلمة مني وكلمة منك نصل بها الى قلب امام زماننا عجل الله فرجه